محمد هادي معرفة
483
التمهيد في علوم القرآن
قال ابن أبي الإصبع : ومن براعة التخلّص في الكتاب العزيز قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ « 1 » فإنه سبحانه وطّأ بها إلى سياقة خبر ميلاد المسيح عليه السّلام ، فذكر اصطفاء آدم عليه السّلام توطئة يخلص بها إلى ذكر ولده نوح عليه السّلام ، وذكر اصطفاء نوح يتخلّص إلى ذكر ولده إبراهيم عليه السّلام ، وذكر اصطفاء آل إبراهيم بعد ذكر آل نوح توطئة ليتخلّص بذكرهم إلى آل عمران من ولد إبراهيم ، وتخلّص بذكر آل عمران إلى ذكر امرأة عمران ، ليسوق قصّة حملها بمريم عليهما السّلام وكفالة زكريا عليه السّلام لها ، وذكر ولده يحيى عليه السّلام وقصّة حمل مريم بالمسيح عليهما السّلام وما كان في ذلك من الآيات الباهرات ، وما آتاه اللّه تعالى من المعجزات . قال : فوقع في هذه الآية من التخلّصات البارعة التي أتت على أحسن ترتيب ، وأبين تهذيب ، ما لا يقع في شيء من الكلام . حيث ذكر سبحانه الآباء من الأعلى إلى الأدنى ، فابتدأ بذكر آدم الأب الأعلى ، وتلاه بذكر نوح الأب الثاني ، الذي انتشرت الأمم من عقبه ، وأتت كافّة البشر من ذرّيته . ثمّ ذكر بعده إبراهيم أبا الأنبياء والمرسلين . وخصّ من ولده بالذكر آل عمران ، ليتخلّص إلى ذكر المسيح . . . فسبحان المتكلّم بهذا الكلام ! ! « 2 » الاقتضاب : وأمّا الاقتضاب فهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره بلا علاقة بينه وبينه . لكن منه ما يقرب من التخلّص ، ويسمّى « فصل الخطاب » .
--> ( 1 ) آل عمران : 33 . ( 2 ) بديع القرآن : ص 170 - 171 .